ابن قيم الجوزية
49
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
في بيان تضمنها للرد على من قال بقدم العالم وذلك من وجوه : أحدها : إثبات حمده . فإنه يقتضي ثبوت أفعاله ، لا سيما وعامة مواد الحمد في القرآن - أو كلها - إنما هي على الأفعال ، وكذلك هو ههنا . فإنه حمد نفسه على ربوبيته ، المتضمنة لأفعاله الاختيارية . ومن المستحيل مقارنة الفعل لفاعله . هذا ممتنع في كل عقل سليم ، وفطرة مستقيمة . فالفعل متأخر عن فاعله بالضرورة . وأيضا فإنه متعلّق الإرادة والتأثير والقدرة ، ولا يكون متعلّقها قديما البتة . الثاني : إثبات ربوبيته للعالمين . وتقرير ما ذكرناه . والعالم كل ما سواه فثبت أن كل ما سواه مربوب . والمربوب مخلوق بالضرورة . وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن . فإذا ربوبيته تعالى لكل ما سواه : تستلزم تقدمه عليه ، وحدوث المربوب . ولا يتصور أن يكون العالم قديما وهو مربوب أبدا . فإن القديم مستغن بأزليته عن فاعل له . وكل مربوب فهو فقير بالذات . فلا شيء من المربوب بغني ولا قديم . الثالث : إثبات توحيده . فإنه يقتضي عدم مشاركة شيء من العالم له في خصائص الربوبية ، والقدرة من خصائص الربوبية . فالتوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورة ، كما ينفي ثبوت الربوبية والإلهية لغيره . في بيان تضمنها للرد على الرافضة وذلك من قوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) [ الفاتحة : 6 ] إلى آخرها . ووجه تضمنه إبطال قولهم : إنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام « منعم عليهم » وهم أهل الصراط المستقيم ، الذين عرفوا الحق واتبعوه . و « مغضوب عليهم » وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه . و « ضالون » وهم الذين جهلوه فأخطأوه . فكل من كان أعرف للحق ، وأتبع له : كان أولى بالصراط المستقيم . ولا ريب أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ورضي اللّه عنهم : هم أولى بهذه الصفة من الروافض . فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - ورضي اللّه عنهم - جهلوا الحق وعرفه الروافض ، أو رفضوه وتمسك به الروافض . ثم إنا رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما . فرأينا أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتحوا بلاد الكفر ، وقلبوها بلاد إسلام . وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم والهدى . فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط المستقيم . ورأينا الرافضة بالعكس في كل زمان ومكان . فإنه قطّ ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام . وكم جرّوا على الإسلام وأهله من بليّة ؟ وهل عاثت سيوف المشركين عبّاد الأصنام - من عسكر هولاكو وذويه من التتار - إلا من تحت رؤوسهم ؟ وهل عطلت المساجد ، وحرقت المصاحف ، وقتل سروات المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم ، إلا بسببهم ومن جرّائهم ؟ ومظاهرتهم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة ، وآثارهم في الدين معلومة . فأي الفريقين أحق بالصراط المستقيم ؟ وأيهم أحق بالغضب والضلال ، إن كنتم تعلمون ؟